رسالة من ميناء بعيد
سلمى الفارسي
٢٥ أغسطس ٢٠٢٦ · 1 دقائق قراءة · 341
أمّاه،
أكتب إليك من ميناء لا أعرف اسمه جيداً، فالحروف على لافتاته غريبة، والناس هنا يتكلمون بسرعة لا ألحق بها. السفينة ترسو ثلاثة أيام لتفريغ الحمولة، وقد قررت أن أقضيها في كتابة كل ما لم أستطع قوله لك قبل رحيلي.
تعرفين أنني لم أحب البحر يوماً كما أحبه أبي. كنت أركبه خوفاً من أن أخيّب ظنّه، لا حباً بالأمواج. لكنني اكتشفت في هذه الرحلة الطويلة أمراً غريباً: البحر لم يعد يخيفني، بل صار المكان الوحيد الذي أشعر فيه أنني أنا، بلا أحد ينتظر مني أن أكون شيئاً بعينه.
الميناء الغريب
في هذا الميناء، رأيت رجلاً عجوزاً يبيع الخبز على عربة خشبية، يشبه أبي كثيراً في طريقة وقوفه، يداه خلف ظهره وهو يراقب البحر. جلستُ بجانبه دون أن أفهم لغته، وابتسمنا لبعضنا فقط. أعطاني رغيفاً، ولم يأخذ ثمنه. أشار إلى السفن البعيدة، ثم إلى صدره، وفهمت أنه يقصد أن كل بحّار غريب هنا هو ابنه أيضاً.
أظن، يا أماه، أن أصعب رحلة لم تكن هذه التي عبرت فيها البحار، بل تلك التي قطعتها بيني وبين نفسي، حين قررت أخيراً أن أحب هذا البحر لأنه بحري أنا، لا لأنه بحر أبي.
سنرسو بعد أسبوعين في الميناء القديم. احتفظي لي بمكان بجانبك على المائدة، فلديّ الكثير لأرويه، وربما – هذه المرة – سأكون أنا من يبدأ الحديث عن البحر أولاً.
ابنك الذي تعلّم أخيراً أن يحب الأمواج.
قد يعجبك أيضاً
حكاية اختبار
هذه قصة تجريبية لاختبار منصة حكايا والتأكد من عمل لوحة الكاتب بشكل سليم.
دوام العصر
أرملة تنظّم يومها حول روتين بسيط بعد رحيل زوجها، حتى يهزّه تفصيل صغير في أحد الأيام.
الصوت في الطابق العلوي
امرأة تعيش وحيدة تبدأ بسماع صوت خطوات في الطابق العلوي المهجور من منزلها كل منتصف ليل.